ترنيمة..

للعوالم التي لم تكتشف بعد..

لأرواحنا الساكنة مترامية الأطراف..

لنسائم الآمال التي تحوم راقصة حولها..

للأنامل الذهبية التي تحيك أهواءها بلا ملل..

لعبير أنفاسها التي لم تجد من ينتشي بها..

لأنصافها التي تتوق لإكمال وحدتها..

لخيالاتها التي لم تجد من يترجمها..

لقصصها التي يُشعر بها و لا تروى..

وُجِدت ترنيمة. متجردة من جميع القوانين. خلقت تُسمع بأُذن الروح دون أُذن الجسد. لها من الشعائر ما يُثمل الجسد مرسلاً إياه إلى بؤرة أعماق النوم. و في آواخر سويعات الليل  تعلن البداية.

و أي بداية هي بداية الترنيمة. حيث الأرواح قد تأهبت للرحيل و التخلص من قيود الجسد.  يتكون حينها بعداً آخر متجرداً من أغلال الزمان و المكان . بعداً قد اعتاد احتضان الروح و مادتها ٬ فرأى تفرد الأخرى على الأولى ليقرر عزلهما. بعداً قادراً على احتواء الباحثين عن أجوبة ليقابلهم بالمزيد من الأسئلة التي تملأ حاجتهم بالاستمرار بالبحث ٬ و الاستمرار باستكشاف المزيد من المجهول ٬ إلى حين وصولهم لللايقين ٬ حيث الحقيقة و معنى الكمال.

لتعود أرواحنا إلى حيث تنتمي ٬ إلى حيث تُحضن ، إلى حيث تتآلف فتأنس، إلى حيث تلتئم فتكتمل.

هي فسحة الروح اليومية لمنزلها. هي فسحة للبدن من حملها. هي فسحة للأرض من ثقل أحلامها. هي فسحة الأثير لشوقها إلى هيام خيالاتها. هي فسحة للرياح من تجولاتها اللانهائية.

و باطمئنان الترنيمة على أرواحنا و اكتمال كينونتها  تعلن نهاية الشعيرة الأولى و بداية الأخرى ٬ شعيرة الليل.

مترقباً ما قد اختاره القدر أنيساً لِلَيلته  يدنو الليل متجلياً بأبهى حلله.  و كهداياً مغلفة يبدأ بتناول أربطة أرواحنا بأنامله الغير محصورة الواحدة تلو الأخرى. ليجد بعض الأغلفة قد أغلقت بإحكام فيتمتع بحلّ أربطتها عقدةً تلو العقدة حتى يصل إلى ما خبأته الأرواح من سرائر. فمنها ما يطلق سراحه ٬ و منها ما يحاول تعطيبه ٬ و منها ما يحاول ترجمته و الإسهاب في تفسيره ،  و منها ما يتأمل جمال تصويره فيبتسم للنجوم معلناً إيجاده لنجم جديد ينير سمائه ٬ و منها ما لم يكتمل فلا يقترب منه إلى حين موعد قطافه.

و ما إن ينتهي منا جميعاً حتى يطلق ما قد حصدته جعبته من سرائرنا للأثير مع زخات الشهب. فتسلو بجمالها الأرواح إلى أن تحن إلى مادتها.  فلها في الشفق جسد ٬ و في الليل ترنيمة.

4 Comments

  1. سعيدة حظٍ تلك الروح العائدة إلى جسدها، قد منحة فرصةً لإتمام نسجها، ولم تكن بداية الترنيمة نهاية لسعيها.

    ،

    غادة، حرفك العربي بديع وتشبيهاته جميلة
    استمتعت كثيراً بقراءته وفي انتظار المزيد منه 🍃

    Liked by 1 person

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.